عمر السهروردي

514

عوارف المعارف

فإذا صار كذلك بعد الشيطان ، ومثل هذا العبد يندر في حقه الخواطر الشيطانية ، ولما ويكون له خواطر النفس ، ويحتاج إلى أن يتقيها ويميزها بالعلم ، لأن منها خواطر لا يضر إمضاؤها ، كمطالبات النفس بحاجاتها ، وحاجاتها تنقسم إلى الحقوق والحظوظ ، ويتعين التمييز عند ذلك واتهام النفس بمطالبات الحظوظ . قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا « 1 » أي فتثبتوا . وسبب نزول الآية الوليد بن عقبة ، حيث بعثه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى بنى المصطلق ، فكذب عليهم ونبهم إلى الكفر والعصيان ، حتى هم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقتالهم ، ثم بعث خالدا إليهم ، فسمع أذن المغرب والعشاء ، ورأى ما يدل على كذب الوليد بن عقبة . فأنزل اللّه الآية في ذلك . فظاهر الآية وسبب نزولها ظاهر ، وصار ذلك تنبيها من اللّه عباده على التثبت في الأمور . قال سهل : في هذا الآية : الفاسق الكذاب ، والكذب صفة النفس ، لأنها تملى أشياء وتسول أشياء على غير حقائقها ، فتعين التثبت عند خاطرها وإلقائها . فيجعل العبد خاطر النفس نبأ يوجب التثبت ، ولا يسنفزه الطبع ، ولا يتعجله الهوى ، فقد قال بعضهم : أدنى الأدب أن تقف عند الجهل ، وآخر الأدب أن تقف عند الشبهة . ومن الأدب عند الاشتباه إنزال الخاطر بمحرك النفس وخالقها وبارئها وفاطرها ، وإظهار الفقر والفاقة إليه ، والاعتراف بالجهل ، وطلب المعرفة والمعونة منه . فإنه إذا أتى بهذا الأدب يغاث ويعان ، ويتبين له هل الخاطر لطلب حظ أو طلب حق ، فإن كان للحق أمضاه ، وإن كان للحظ نفاه .

--> ( 1 ) سورة الحجرات : آية رقم : 6 .